ابو القاسم عبد الكريم القشيري

639

لطائف الإشارات

في إخفاء الحال عن الرقيب . قال لموسى عليه السلام : « لَنْ تَرانِي » . وقال لنبينا عليه السلام : « أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ » وشتان ما هما ! ويقال أحيا قلبه بقوله : « أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ » إلى أن قال : « كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ » فجعل استقلاله بقوله : « أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ » إلى أن سمع ذكر الظل . ويقال أحياه بقوله : « أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ » ثم أفناه بقوله : « كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ » وكذا سنّته مع عباده ؛ يردّدهم بين إفناء وإبقاء . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 47 ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) « 1 » جعل الليل وقتا لسكون قوم ووقتا لانزعاج آخرين ؛ فأرباب الغفلة يسكنون في ليلهم ، والمحبون يسهرون في ليلهم إن كانوا في روح الوصال ، فلا يأخذهم النوم لكمال أنسهم ، وإن كانوا في ألم الفراق فلا يأخذهم النوم لكمال قلقهم ، فالسّهر للأحباب صفة : إمّا لكمال السرور أو لهجوم الهموم . ويقال جعل النوم للأحباب وقت التجلّى بما لا سبيل إليه في اليقظة ، فإذا رأوا ربّهم في المنام يؤثرون النوم على السّهر « 2 » ، قال قائلهم : وإني لأستغفى وما بي نعسة * لعلّ خيالا منك يلقى خياليا وقال قائلهم : رأيت سرور قلبي في منامي * فأحببت التّنعّس والمناما ويقال النوم لأهل الغفلة عقوبة ولأهل الاجتهاد رحمة ؛ فإن الحقّ - سبحانه - يدخل عليهم النوم ضرورة رحمة منه بنفوسهم ليستريحوا من كدّ المجاهدة . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 48 إلى 49 ] وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 )

--> ( 1 ) السبت - القطع . والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته . وقيل السبات - الموت ، والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة . وهو كقوله تعالى : « وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ » ، ويعضده ذكر النشور في مقابلته . ( 2 ) ذكر القشيري في باب « رؤيا القوم » برسالته أمثلة كثيرة للكرامات التي تحققت للأولياء أثناء نومهم ، وكان بعضها ذا تأثير عظيم في مجرى حيواتهم . ( الرسالة ص 192 وما بعدها ) .